الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

249

تفسير روح البيان

نبينا محمد عليه السلام جالس عليه بانفراده وجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على الأرض جالسون مثل إبراهيم وموسى وعيسى ونوح فوقفت انظروا سمع كلامهم فخاطب موسى نبينا عليه الصلاة والسلام وقال له انك قد قلت علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل فأرنا منهم واحدا فقال هذا وأشار إلى الامام الغزالي فسأله موسى سؤالا فاجابه بعشرة أجوبة فاعترض عليه موسى بان السؤال ينبغي ان يطابق الجواب والسؤال واحد والجواب عشرة فقال الامام هذا الاعتراض وارد عليك أيضا حين سئلت وما تلك بيمينك يا موسى وكان الجواب عصاي فعددت صفات كثيرة قال فبينما انا متفكر في جلالة قدر محمد عليه السلام وكونه جالسا على التخت بانفراده والخليل والكليم والروح جالسون على الأرض إذ رفسني شخص برجله رفسة مزعجة فانتبهت فإذا يقيم ثم غاب عنى فلم أجده إلى يومى هذا ومن هذا قال فانسب إلى ذاته ما شئت من شرف * وانسب إلى قدره ما شئت من عظم اللهم يسر لنا شفاعته وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ مفعول أول لجعلنا الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها مفعول ثان له بتقدير موصوف اى الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة لأنه عليه السلام كان مأمورا بان يصلى إلى الكعبة وهو بمكة ثم لما هاجر امر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس التي منها يصعد الملائكة إلى السماء ثم أعيد إلى ما كان عليه أولا والمعنى ما رددناك إلى ما كنت عليه اى على استقباله والتوجه اليه وما جعلنا ذلك لشئ من الأشياء إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ في التوجه إلى ما امر به مِمَّنْ يَنْقَلِبُ اى ينصرف ويرجع عَلى عَقِبَيْهِ العقب مؤخر القدم والانقلاب على العقبين مستعار للارتداد والرجوع عن الدين الحق إلى الباطل ومعنى لنعلم ليظهر علمنا على مظاهر الرسول والمؤمنين ويتميز عندهم الثابت على الإسلام الصادق فيه من المتردد الذي يرتد بأدنى سبب لقلته وضعف إيمانه لا انه لم يعلم حالهم فعلم لأنه تعالى كان عالما في الأزل بهم وبكل حال من أحوالهم التي تقع في كل زمان من أزمنة وجودهم مقارنة للزمان الذي تقع فيه تلك الحال وكل من يعلم شيأ فإنما يعلم بان يظهر ذلك العلم فيه ويقرب من هذا ما قيل المعنى ليعلم رسول اللّه والمؤمنون وانما أسند علمهم إلى ذاته لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده هذا هو المعنى الذي اختاره القاشاني في تأويلاته وزيف ما عداه والعلم في قوله لنعلم بمعنى المعرفة اى لنعرف الذي يتبع الرسول فلا يحتاج إلى مفعول ثان * فان قيل إن اللّه لا يوصف بالمعرفة فلا يقال اللّه عارف فكيف يكون العلم بمعنى المعرفة هنا * قلت انما لا يوصف بها إذا كانت بمعناها المشهور وهو الإدراك المسبوق بالعدم واما إذا كانت بمعنى الإدراك الذي لا يتعدى إلى مفعولين فيجوز ان يوصف اللّه بها وقوله ممن ينقلب حال من فاعل يتبع اى متميزا منه وَإِنْ كانَتْ اى القبلة المحولة لَكَبِيرَةً اى شاقة ثقيلة على من يألف التوجه إلى القبلة المنسوخة فان الإنسان ألوف لما يتعوده يثقل عليه الانتقال منه وان هي المخففة من المثقلة واسمها محذوف وهو القبلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية كما في قوله تعالى إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ اى هداهم إلى حكمة الاحكام وارشدهم وعرفهم ان ما كلفه عباده متضمن لحكمة لا محالة وان لم يهتدوا إلى خصوصية تلك الحكمة بعينها فتيقنوا بذلك ان السعيد الفائز من أطاع ربه